محمد بن محمد بن هبة الله الحسيني الأفطسي
188
المجموع اللفيف
أعظمي رماما ، كان للبلى انقضاء ، وللشقاء نهاية ، ولكني أرفع بعد ذلك إلى صحيحة الحشر ، فأرد أهوال مواقف الجزاء ، ثم لا أدري إلى أي الدارين يؤمر بي ، فأيّ عيش يلتذ من يكون إلى هذا الشأن صيّوره [ 1 ] . فلما سمع الملك هذه المقالة ، ألقى نفسه عن فرسه ، وعقد بين يدي الرجل وقال له : يا هذا ، لقد كدّر مقالك عليّ صفو عيشي ، وملك الإشفاق قلبي ، فأعد عليّ بعض قولك ، واشرع [ 2 ] لي دينك ، قال له الرجل : أما ترى هذه العظام التي بين يدي ؟ قال : بلى ، قال هذه عظام ملوك ، غرّتهم الدنيا بزخرفها ، واستحوذت على قلوبهم بغرورها ، وألهتهم عن التأهب لهذه المصارع ، حتى فاجأتهم الآجال ، وخذلتهم الآمال ، وعصبتهم عزّة الملك ، وسلبتهم بها النعيم ، وأودعتهم أطباق الأرض ، حتى صيّرتهم إلى ما ترى ، وستنشر هذه العظام فتعود أجساما ، ثم تجازى بأعمالها ، فأما إلى دار القرار ، وأما إلى محلّ البوار ، ثم امتلس [ 3 ] الرجل فلم ير له أثر ، وتلاحق أصحاب الملك به وقد امتقع لونه ، وتواصلت عبراته ، فركب ووقيذا [ 4 فلما جنّ عليه ألقى ما كان عليه من لباس الملك ، ولبس طمرين ، وخرج تحت الليل ، فكان آخر العهد به . [ لا سبية من قريش ] قال : ليس في الأرض [ 65 و ] عربي يدّعي أنّ له أمّا من قريش أو الأنصار أو ثقيف سبيّة ، إلا مبطل ، وذاك أنّ قريشا [ 5 ] ، كانت في الحرم ، فلم تغز ولم تسب ، وكانت ثقيف في حصن منيع ، فلم تغز ولم تسب ، واشتغلت
--> [ 1 ] صيّورة : عاقبته ، الصيّور : منتهى الأمر وعاقبته كالمصير . [ 2 ] كذا بالأصل : ( واشرع ) أي بيّن شرعته ، وقد تكون : ( واشرح ) . [ 3 ] امتلس : ذهب ذهابا سريعا ، وذهابا سهلا رفيقا . [ 4 ] الوقيذ : الذي يغشى عليه ، لا يدرى أميت هو أم حيّ ، والشديد المرض المشرف على الموت . [ 5 ] في الأصل : ( أن قريش ) وهو لحن .